محمد الغزالي
235
خلق المسلم
الانتفاع بالوقت والاتعاظ بالزّمن كل مفقود عسى أن تسترجعه ، إلا الوقت . فهو إن ضاع لم يتعلق بعودته أمل ، ولذلك كان الوقت أنفس ما يملكه إنسان ، وكان على العاقل أن يستقبل أيامه استقبال الضنين للثروة الرائعة ، لا يفرط في قليلها بله كثيرها ، ويجتهد أن يضع كل شيء ، مهما ضؤل بموضعه اللائق به . عندما يحس أحدنا أنه موجود ، ويلقي نظرة وراءه يتبين بها اللحظة التي بدأ منها المسير في هذه الحياة ، ليحصي ما مر به من أيام وأعوام . لن يطول به فكره ، لأنه لا يرى إلا بداية غامضة ، ثم تتجمع السنون الطوال والليالي العراض ، فإذا هي وكأنها يوم واحد مائع الطول والعرض متلاحق الأحداث . إن هذا ما يستشعره الإنسان الآن . وما قد يستشعره يوم القيامة عندما يوقف للحساب : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ . . . « 1 » . يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً . نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ . إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً : إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً « 2 » . كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها « 3 » . إن هذا الإحساس - على ما به - يلذع الذين توهموا الخلود في الأرض وربطوا مصيرهم بترابها ، وهو إحساس صادق إذا قيست أيام الدنيا بأيام
--> ( 1 ) يونس : 45 . ( 2 ) طه : 103 - 104 . ( 3 ) النازعات : 46 .